أحمد بن يحيى العمري

303

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

وأقبل الناس على السلطان يهنونه . وعلى كفه الشريف يقبلونه ثم حضرت القضاة والفقهاء والصوفية ودور الرواتب من أصحاب العمائم على عادة بني سلجوق في كل جمعة ، ووقف أمير المحفل وهو كبير المعدلة عندهم ، وله وسامه وفخامه ، وله أوسع كم وأكبر عمامة . وأخذ في ترتيب المحفل على قدر الأقدار ، وانتصب قائما بين يدي السلطان منتظرا ما إليه به يشار ، وشرع القراء يقرءون [ 1 ] جميعا وفرادي بأحسن تلحين وأجمل تحسين ، فلما فرغوا شرح أمير المحفل صارخا ، وبكور فمه نافخا ، فأنشد وأورد بالفارسية ، ما يعجب مدلوله ، ويهول مقولة ، وأطال وما أطاب ، واستصوب من يعرف مقاله قوله ، والله أعلم بالصواب . ولما انقضى ذلك مدوا سماطا ليس يناسب همم الملوك ، فأكل الناس منه للشرف لا للسرف ، ثم عاد كل إلى مكانه فوقف ، وقام السلطان إلى مكان الراحة ، فأقام ساعة أو ساعتين ، ثم عاد إلى مخيمه قرير العين ، وكان بدار الملك حرم السلجوقية ، على أبوابهم أسمال ستور حرير ، ومشايخ خدام ، يستحق لكل منهم أن يدعى بالكبير ، فجبرهم السلطان ، وآنسهم ، وأحسن إليهم ، وتوجه إلى صلاة الجمعة بقيصرية ، وبها سبع جمع تقام فيها خطبا إلا أنهم كالأنعام فصلينا في جامع السلطان ، وهو جامع لا يدل على ( المخطوط ص 149 ) احتفال ملوكها ببيوت عباداتهم ، ولا فيه دلائل الخير ما تقضى بحسن إرادتهم . فحضر أهل المدينة وأكابرها ، وجلسوا حلقا لا صفوفا وأجروا من البحث بالعجمية صنوفا ، واجتمعت جماعة من حفاظ الكتاب العزيز فتخارجوا القراءة آية آية ، وهي قراءة بعيدة عن الدراية بل إنها تبرزها أصوات مترنمة ، والحان لتفريق الكلمات مقسمة ، ينطقون بالحروف كيف اتفقت ، ولا يتوقفون على مخارج الحروف إنها بها نطقت ولا نطقت ، ولما آن وقت الآذان ، قام صبي عليه قباء ، من